بقلم: الدكتور حسين حمية
كاتب ومحلل سياسي
دكتوراه في العلاقات الدولية والدبلوماسية والعلوم الإسلامية
خاص صدى الولاية الإخباري | يرى الدكتور حسين حمية أن ما يشهده الشرق الأوسط من حروب وأزمات وصراعات متلاحقة لا يمكن تفسيره بوصفه سلسلة أحداث منفصلة أو نزاعات عفوية، بل يندرج، وفق قراءته، ضمن استراتيجية دولية متكاملة تهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، من خلال ما يُعرف بمفهوم “الفوضى الخلاقة”.
ويعتبر حمية أن هذه الاستراتيجية لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تقوم على منظومة متشابكة من الأدوات السياسية والاقتصادية والإعلامية والأمنية، تتكامل فيما بينها لإضعاف الدول المستهدفة وإعادة توجيه مساراتها بما ينسجم مع مصالح القوى الكبرى.
ويشير إلى أن من أبرز هذه الأدوات تأجيج الانقسامات الطائفية والقومية، وإثارة الصراعات الداخلية، وتوظيف أجهزة الاستخبارات وشبكات التجسس، إضافة إلى الحملات الإعلامية التي تعمل على تشويه صورة الخصوم، وخلق مبررات سياسية وإنسانية للتدخل تحت عناوين مثل حقوق الإنسان والديمقراطية ومحاربة الإرهاب.
ويرى الكاتب أن المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تتحول في بعض الحالات إلى أدوات ضغط اقتصادي، عبر تقديم قروض مشروطة بسياسات تجعل الدول النامية أكثر ارتباطًا بالنظام الاقتصادي الغربي، فيما يبقى استخدام القوة العسكرية، من خلال القواعد الأجنبية والتحالفات العسكرية، أحد أبرز وسائل فرض موازين القوى الجديدة.
ويؤكد حمية أن الاستعمار، برأيه، لم ينتهِ بانتهاء الاحتلال العسكري التقليدي، بل تطور إلى أشكال أكثر تعقيدًا تعتمد على السيطرة غير المباشرة. ومن هنا يطرح تساؤلات حول أسباب اندلاع الحروب بصورة متكررة في مناطق محددة من العالم، ولماذا تتعرض بعض الدول للتفكيك والانقسام في وقت تمتلك فيه القوى الكبرى القدرة على احتواء هذه الأزمات أو الحد منها.
وفي قراءته لصناعة القرار الاستراتيجي الأميركي، يستند الكاتب إلى أدبيات العلاقات الدولية، مشيرًا إلى ما يطرحه الباحث الأميركي تيري ل. دييل حول أن نجاح الاستراتيجية الأميركية يقوم على تحقيق توازن بين ثلاثة محاور رئيسية هي الأمن، والازدهار الاقتصادي، ونشر القيم المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
ويعتبر أن الجمع بين هذه المحاور أصبح أكثر تعقيدًا مع تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، ودخول العالم مرحلة الحروب الهجينة والثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يفرض تحديات جديدة على آليات صناعة القرار الاستراتيجي.
ومن هذا المنطلق، يرى حمية أن الأهداف الرئيسية للصراعات الدائرة في الشرق الأوسط تتمثل، وفق تحليله، في تفكيك الدول التي تعارض المصالح الغربية، والسيطرة على الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها النفط والغاز والمعادن، إضافة إلى إضعاف أي مشروع نهضوي أو تحرري في العالمين العربي والإسلامي.
ويشدد على أن أي استراتيجية ناجحة لا بد أن تستند إلى فهم دقيق للبيئتين الدولية والمحلية، وإلى قراءة متوازنة لموازين القوى، وتأثير الرأي العام، والعوامل السياسية والاقتصادية، في رسم السياسات واتخاذ القرارات.
ويضيف أن الإدارات الأميركية تنطلق في صياغة استراتيجياتها من الداخل الأميركي، حيث تلعب البيئة السياسية الداخلية، والانقسامات الحزبية، وتحولات الرأي العام، دورًا أساسيًا في تحديد طبيعة الخيارات الخارجية، سواء كانت استراتيجيات قائمة على مواجهة التهديدات، أو على استثمار الفرص المتاحة.
وفي الجانب الاقتصادي والاجتماعي، يرى الكاتب أن ما تعانيه العديد من دول الشرق الأوسط من حروب وفساد وتبعية اقتصادية أدى إلى اتساع فجوة العدالة، معتبرًا أن الجوع الذي يهدد الشعوب لا يرتبط فقط بنقص الغذاء، بل يعكس خللًا في توزيع الثروة والموارد والسلطة، وهو ما يساهم في إدامة الأزمات وإنتاج المزيد من عدم الاستقرار.
وفي ما يتعلق بالحرب على إيران، يعتبر الدكتور حسين حمية أن هذه المواجهة تأتي، بحسب تحليله، في سياق مشروع أوسع يستهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط وإعادة رسم موازين القوى فيه، ويرى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتعامل مع هذه المرحلة باعتبارها مشروعًا لبناء الإنسان والعقيدة والعقل الاستراتيجي، إلى جانب تطوير قدراتها العلمية والتكنولوجية والعسكرية.
ويصف الكاتب المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها شكلت نقطة تحول في مسار إيران، معتبرًا أنها نقلت البلاد من مرحلة الصبر والتحمل إلى مرحلة المبادرة والفعل، وأن التجربة الإيرانية تمثل، من وجهة نظره، نموذجًا يجمع بين البعد العقائدي والتقدم العلمي والتطور العسكري.
ويختم الدكتور حسين حمية مقاله بالقول إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة إعادة تشكيل واسعة، وإن فهم طبيعة الصراعات الجارية يتطلب قراءة تتجاوز الأحداث اليومية، وصولًا إلى تحليل البنى الاستراتيجية التي تحكم حركة القوى الدولية والإقليمية، معتبرًا أن ما يجري في المنطقة هو جزء من مشهد عالمي أوسع يعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوة في النظام الدولي الجديد.